من طين لقانه إلى أسير في عتليت… حكاية “عاشق الحرية” الذي هزمه الشطرنج وغلب المعتقل

الخميس, 30 يوليو 2026, 9:15 م

​ ضيفنا اليوم ليس مجرد رجل مر على الحياة مرور الكرام بل هو “شاهدُ عيان” على محطات فارقة من تاريخ مصر الحديث كتب بدمه وعرقه وسنوات عمره سيرة ملحمية تجمع بين مرارة الحرب وقسوة الأسر وشرف الأمانة.
​إنه الأستاذ عبده محمد أحمد زيد ابن قرية “لقانه” بمحافظة البحيرة (مواليد 1944). ذلك الطفل الذي خطى أولى خطواته نحو المدرسة يغوص في طين القرية ليصبح بعد سنوات الأول على كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964 والشاعر الفيلسوف الذي طالما اعتلى منابر الكلية.
​لكن الحياة لم تمنحه مساراً هادئاً فرفض أن يكون موظفا تقليدياً أو أن يتلوث بمال حرام وهو يمتلك سلطة “الضبطية القضائية” واختار أن يصارع الظروف لينفق على إخوته حتى يتخرجوا جميعا وبينما كان يصنع مستقبله استدعاه الواجب الوطني ليكون ضابطاً في مدفعية الدفاع الجوي بسيناء ليشهد أهوال حرب يونيو 1967.
​عشرة أيام كاملة قضى بعضها تحت التراب في حفرة مع الشهداء وقطع باقيها ركضاً في صحراء سيناء بلا طعام ولا ماء متغذياً على “لحم الحمار” و”جمار النخل” ليبقى على قيد الحياة قبل أن يقع أسيراً في معتقل “عتليت” بـ إسرائيل برقم تاريخي (54615). هناك خلف الأسلاك الشائكة كان يلاعب أبطال العالم في الملاكمة ورؤساء المخابرات الشطرنج ويكتب مذكراته التي تسببت في واقعة فريدة من نوعها: أن يخرج أسيرٌ مصري في جولة سياحية بقلب مدينة “عكا”
​لم تتوقف رحلة الشغف بعد عودته لأرض الوطن فتحدى نفسه وحصل على المركز الأول على كلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1985 ثم ليسانس اللغة الإنجليزية ومثل مصر في مؤتمرات دولية عديدة.
​في هذا الحوار التوثيقي الخاص نفتح مع الأديب والمفتش والأسير السابق عبده زيد صندوق الذكريات لنقرأ كتابا إنسانيا فريداً عن الصمود والضمير وعشق الوطن.
​أهلاً بك أستاذ عبده. دعنا نعود بالذاكرة إلى البدء.. إلى قريتك “لقانه” بمركز شبراخيت .

* نود في البداية أن نتعرف على بطاقتك الشخصية والبدايات الأولى من النشأة ؟
أنا عبده محمد أحمد زيد ولدت في قرية “لقانه” يوم الاثنين 8 يونيو 1944. دخلت مدرسة لقانه الابتدائية وكان عمري آنذاك أربع سنوات فقط. أتذكر جيداً كيف كنت أسير في الصباح الباكر
بينما الأرض من حولي غارقة في الطين.

​* كانت هناك حادثة فريدة في مرحلتك الابتدائية جمعتك بأخيك الأكبر ما قصتها؟
​* نعم عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي وكان أخي الأكبر “إبراهيم” وهو ذكي جدا وجميل جدا في الصف السادس. أخي كان “يتدلع” ولا يذاكر كثيراً. قام المدرس بخطوة غريبة أخذني من رابع ابتدائي وصعدني إلى الخامس وفي نفس الوقت أحضر إبراهيم من السادس وأعاده إلى الخامس فدرسنا معاً في فصل واحد.
​* كيف استمرت المرحلة الإعدادية والدراسية بعد ذلك وما هي قصة الحادثة التي ذكرتها؟
​* فتحوا لنا فصلا واحداً للإعدادية في نفس المدرسة وكانت الإعدادية في ذلك الوقت أربع سنوات. ثم جاءنا فصل بالكامل من “شبراخيت” كناية عن الطلاب الذين رسبوا فاصبحنا فصلين. للأسف معظم أولئك الطلاب ماتوا لاحقاً في حادثة مأساوية ومن بين هذين الفصلين لم ينجح في النهاية سوى 4 طلاب فقط وكنت أنا أحدهم وكان عمري 13 سنة بالضبط.
​* انتقلت بعدها إلى دمنهور الثانوية.. كيف كانت حياة المغترب الصغير آنذاك؟
​* انتقلت إلى مدرسة دمنهور الثانوية العسكرية وسكنت في “حارة سد” في آخر شارع 23 يوليو. كان والدي يعطيني 25 صاغاً فقط في الأسبوع. كنت أركب قطار الدلتا الصغير بنصف أجرة (نصف فرنك / 20 صاغاً) وأنزل في “أبو الريش” وأحمل سبت العيش والجبن والبيض على كتفي وأسير به إلى آخر حارة البلاص حيث أسكن. في السنة الثالثة ثانوي سكنت مع “منعم صوان” رحمه الله كما سكن معنا “عبد المنعم خطاب” .
​* تخرجت من كلية التجارة وحققت مركزاً متميزا لكن قيل إنك “خرجت من المولد بلا حمص” في التعيين كمعيد.. ماذا حدث؟
​* دخلنا الكلية وكنا 80 طالباً في السنة الأولى ولم ينجح منا في البكالوريوس عام 1964 سوى 16 طالباً فقط في قسم إدارة الأعمال. كنت أنا الأول على الدفعة وعمري 20 سنة بالضبط. كان عميد الكلية الدكتور المشهور “عبد الغفور يونس” بجامعة عين شمس يسميني “الشاعر الفيلسوف” لأنني كنت شاعر الكلية في المهرجانات. وطوال سنوات دراستي كنت الأول والكل يعلم أنني سأُعين معيداً. لكن في سنتنا ولأول مرة تخرج 13 طالباً بتقدير “جيد جداً” فتم توزيعهم على الأقسام وبما أن ترتيب الأول كان يُمنح بتقدير “جيد” بناءً على نظام السنوات السابقة خرجت من المولد بلا حمص والحمد لله كله قسمة ونصيب.

​* اخترت وظيفة ذات سلطة قوية وهي “مفتش مكتب عمل” كيف قاومت إغراءات هذه الوظيفة؟
​* عُرض عليّ شغل كثير لكنني اخترت وظيفة تمنحني “سلطة الضبطية القضائية” كمفتش في مكتب عمل شبراخيت كانت لديّ القدرة على تفتيش الشركات والمحلات وتحرير المحاضر وإغلاقها. كان بإمكاني أخذ أموال وأتحول إلى “حرامي” بمنتهى السهولة وأنا شاب في العشرين من عمري لكنني رفضت ذلك تماما طوال 15 سنة كنت أركب موتوسيكلات الحكومة وأفتش على مكاتب العمل والأمن الصناعي في المحافظة كلها لكي أحافظ على نزاهتي. ولأن راتبي كان 18 جنيها إلا ربعا وإخوتي كلهم في الابتدائي كان الزواج مستحيلاً حتى يتخرجوا جميعا فعملت بجانب وظيفتي كمدرس لغة إنجليزية في المدارس ودروس خصوصية بموافقة جهة عملي والتربية والتعليم.
​* كيف تحولت من بكالوريوس تجارة إلى دراسة اللغة العربية ثم الإنجليزية؟
​* كنت أدرس الإنجليزية لسنوات بنجاح كبير دون ليسانس متخصص. وقررت أن أتخصص ذهبت لكلية الآداب بجامعة الإسكندرية (ولم يكن هناك كليات في دمنهور وقتها). مكتب التنسيق رفض دخولي قسم الإنجليزية وأجبرني على “اللغة العربية”. دخلت وتفوقت وطلعت الأول على الكلية بتقدير جيد جداً عام 1985.

* لكنك لم تتوقف عند اللغة العربية بل عدت لاحقاً للإنجليزية ودخلت مجال العمل الدولي؟
​ صحيح بعد ذلك أنشئت كليات في دمنهور تابعة للإسكندرية. تقدمت بأوراقي وسجلت كطالب منتظم في قسم اللغة الإنجليزية واختارني الدكتور اليوناني الشهير “بلاتو” (أفلاطون) كطالب مثالي في الكلية. حصلت على ليسانس الإنجليزية وخلال مسيرتي الوظيفية وصلت إلى منصب وكيل مديرية القوى العاملة بالبحيرة وكنت أسافر لتمثيل مصر في المؤتمرات الدولية وأخطب بالإنجليزية طليقة أمام الوفود في أمريكا وتنزانيا وزيمبابوي والخرطوم وأديس أبابا.
* ​قصتك مع الجيش والأسر تحمل دراما خيالية.. كيف بدأت حرب يونيو 1967 بالنسبة لك؟
* تخرجتُ وعُينت ضابط احتياط بالمدفعية المضادة للطائرات م ط بـ بئر تمادا بسيناء تحت قيادة الفريق عبد المنعم واصل. خرجتُ ثم أُعِدتُ للاستدعاء قبل يونيو 67 في موقع بين غزة والعريش منطقة جرادة.
ليلة 5 يونيو عرفتُ أن الهجوم قادم فصحيتُ العساكر واحتللنا المدافع 57 مللي. أسقطنا طائرات واستشهد طيارون لكنهم نزلوا علينا بضراوة ودمروا السيارات والدبابات. أُغمي عليّ من الهول ورامونا مع الشهداء في حفرة عميقة.
* ​كيف خرجت من هذه الحفرة وكيف كانت رحلة الفرار؟
استعذت بالله وصحوتُ من الغيبوبة وجدت دبابات العدو على البحر فخرجت وأنا أحمل المصحف الشريف في يدي وأجري في الرمل وورائي مجموعة من الجنود. قطعنا نحو 10 كيلومترات نحو العريش وسط تنشين الدبابات وإطلاق النار. كنا ننبطح في الرمل كلما أضاءت الدبابة نورها.
​استمرت رحلة الضياع في الجبال والصحراء 10 أيام كاملة بلا أكل ولا ماء! كان الجنود يموتون من العطش والجوع ونتركهم ونواصل الركض. وفي اليوم التاسع حدثت المعجزة إذ رأينا من بعيد نخلاً وبئر ماء وحماراً مربوطاً وكلاباً تركها العرب ورحلوا.
* ​ماذا حدث عند البئر؟ وكيف أنقذ هذا اليوم حياتك؟
* العساكر كانوا في حالةتعب شديد إذ ذبحوا الحمار وسلقوه في إناء نحاسي كبير بماء البئر. ولأنهم يعرفون أنني الضابط قدموا لي أحسن قطعة من الفخذ. والله العظيم لم أدخل جوفي طوال 10 أيام إلا هذه القطعة من لحم الحمار! هي التي أنقذت حياتي من الموت محققاً بينما ذبح بقية العساكر الكلاب وسلقوها وأكلوها.. أكلتُ أيضاً جمار النخل وشربت من البئر وكان أجمل يوم في حياتي لأنه كتب لي حياه جديدة.
* ​كيف وقعت في الأسر بعد ذلك؟
* كنا بالقرب من القنطرة شرق وكان هناك ضابط إسرائيلي يطوف بالمنطقة ينظر للناس. عرف أنني ضابط من تفصيلة لا تخطر على بال إذ إن الأسبرايت رتبة الكتف كنت قد خلعته فترك أثراً في القميص نصفه فاتح ونصفه غامق! أخذني بأدب شديد وحبسني في غرفة بـ محطة قطار القنطرة ومنها غطوا أعيننا ونقلونا في سيارات أمن مركزي مُستولى عليها.
* ​ماذا حدث عند وصولكم إلى سجن «عتليت» جنوب حيفا؟
* وصلنا بعد 3 أيام نوم على الرمل والسلك الشائك بلا حمامات ولا طعام. وفي سجن عتليت أنزلونا وأمرونا بخلع ملابسنا تماماً ملص ورشونا بالمبيدات الحشرية. كان السجن يضم 500 ضابط مصري و4500 عسكري. وكان رقمي الأسرى التاريخي 54615.
وضعتنا إدارة السجن 18 ضابطاً في غرفة خشبية واحدة يغلقون علينا المغرب ويفتحون الصباح.
* ​من كان معك في غرفة الأسر من الشخصيات البارزة؟
* كان معي الرائد إسماعيل العشماوي رئيس مخابرات غزة وهم كانوا أذكياء إذ جلبوا ملفاته وتوقيعه من مكتبه بغزة ورغم أنه أنكر وقال الجيش مليء بالعشماوية إلا أنهم عذبوه بضراوة حتى فقد الذاكرة كلياً وكنتُ أكتب له رسائله!
وكان معي أيضاً الرائد صلاح شقوير بطل العالم في الملاكمة العسكرية. أحضروا لنا شطرنج وطاولة وكنتُ العب معهم وأغلب صلاح شقوير في الشطرنج فكان يغضب ويدخل معي في شجار ضاحك كيف تظن نفسك لتغلب بطل العالم في الملاكمة!
أما أسعد يوم في الأسر فهو اليوم الذي أحضروا لنا فيه مراتب ووسائد من التبن لننام عليها بدلاً من البلاط!
* ​حدثت معك واقعة غريبة بسبب مذكراتك التي كنت تكتبها في الأسر.. ما قصتها؟
* كنتُ أكتب مذكراتي وأشتم فيها العدو وأخبئها تحت الوسادة وفي أحد الأيام فتشوا الغرفة وأخذوا كل الأوراق! خفتُ جداً وزعم لي رئيس مخابرات غزة أنهم سيعدمونني. لكن القادة هناك قرروا قراراً لا يتخيله أحد! قالوا هذا الشاعر والأديب سيتحدث عنا طوال حياته بدلاً من إعدامه تعالوا نخرجه في جولة ليرى جمال إسرائيل ويقارنها ببلاده.
* ​هل أخذوك بالفعل في جولة خارجية وأنت أسير؟!
* نعم! ألبسوني قميصاً أنيقاً وبنطلونا وشبشباً جديداً وأركبوني سيارة ملاكي مع لواء إسرائيلي يتحدث العربية ببراعة وكان في الأصل مدير البنك العربي الإسرائيلي وشاركت في الخدمة كضابط احتياط. سألني اللواء بالعربية تريد أن تذهب إلى أين؟ فصدمته وقلت له أريد الذهاب إلى عكا أولاً!.
​استغرب جداً وسألني عن السبب فقلت له لأن هناك شعراء فلسطينيين يعيشون في عكا يكتبون في مجلة الأفاق وأنا أحب شعرهم جداً ووجود دواوينهم وحريتهم هنا هو سر التقدم.. والحرية هي الأساس. تعجب اللواء وقال لي حظك رائع مدير مجلة الأفاق غازي السعدي هو صديقي الشخصي! وأخذني بالفعل هناك في تجربة لم أكن لأصدقها لولا أنني عشتها.
* ​متى تمت إقالتك ورجوعك لأرض الوطن؟ وكيف استقبلك أهل “لقانه”؟
* عدتُ في دفعات تبادل الأسرى عام 1968 بعد 8 أشهر في الأسر. كنت سعيداً طوال فترة الأسر لأنني كنت متمنياً الشهادة. وعند وصولي لمدخلي بلدي لقانه خرجت البلد بأكملها عن بكرة أبيها تستقبلني بالفرح والترحاب والدموع.
* ​كلمة أخيرة أستاذ عبده.. تنقلت بين التجارة والتفتيش والجيش والأسر واللغة العربية والإنجليزي والعبرية.. ما المبدأ الذي خرجت به بعد هذا العمر؟
* خرجتُ بـ أن الضمير هو رأس مال الإنسان. عملتُ 40 سنة في القوى العاملة ووصلت لوكيل وزارة وكان تحت يدي سلطة إغلاق شركات وتغريم محلات ولم أمد يدي لحرام قط ورعيتُ إخوتي حتى تخرجوا. وعلمتني صحراء سيناء أن الشرف والكرامة هما ما يبقيان للإنسان بعد أن يزول كل شيء.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.