
في حوار الصراحة مع المنشد والمبتهل بالإذاعة والتليفزيون ” خالد عبد الهادي” يشاركنا رؤيته لمستقبل الإنشاد وتراث والده الخالد وأسرار مسيرته.
الأربعاء, 3 سبتمبر 2025, 7:47 صفي عالم الإنشاد الديني تتوارث الأصوات وتتعاقب الأجيال حاملة في طياتها عبق الماضي وجمال الحاضر. ومن بين هذه الأصوات المتميزة يبرز الشيخ خالد محمد عبد الهادي نجل الشيخ الراحل محمد عبد الهادي فارس الإنشاد الديني في مصر والوطن العربي. يجمع الشيخ خالد بين الأصالة والحداثة ليقدم فنا روحيا يتناغم مع قيم التسامح والمحبة ويحافظ على تراث والده العظيم. نغوص في حوار خاص مع الشيخ خالد لنستكشف مسيرته الفنية وتأثير والده عليه ورؤيته لمستقبل الإنشاد الديني.
من هو الشيخ خالد محمد عبد الهادي؟
يعرف الشيخ خالد نفسه بأنه منشد ديني وعضو بنقابة المبتهلين والمنشدين. تخرج من جامعة الأزهر كلية اللغة العربية ودرس الموسيقى دراسات حرة في كلية التربية الموسيقية بالزمالك. تدرب على آلة العود في دار أوبرا دمنهور على يد نخبة من الأساتذة ولكن الدراسة الأعمق في الفن والإنشاد الديني كانت على يد والده الراحل الشيخ محمد عبد الهادي.

تاريخ الراحل الشيخ محمد عبد الهادي وهل اثر في شخصيتك وموهبتك ؟
يؤكد الشيخ خالد أن تأثير والده كان كبيرا جدا فهو لم يورث عنه نبرة الصوت فقط بل أيضا الأداء الحركي والانفعالات التي تجذب المستمعين. بدأ هذا التأثر منذ الطفولة حيث كان يستمع إلى والده كثيرا عبر أشرطة الكاسيت أو أثناء البروفات. ويشير إلى أن اسم والده كان بمثابة قفزة كبيرة في عالم الشهرة مما مكنه من الوصول بسرعة إلى مكانته الحالية.
تاريخ الشيخ محمد عبد الهادي
يعد الشيخ محمد عبد الهادي علامة فارقة في تاريخ الإنشاد الديني والأغنية الاجتماعية في مصر والعالم العربي. لقد كان صوتا استثنائيا جمع بين القوة والعذوبة وتميز بقدرته الفائقة على التعبير عن المعاني العميقة بأداء مؤثر يلامس القلوب.
ولد الشيخ محمد عبد الهادي في الوفائية ثم انتقل مع أسرته إلى رشيد حيث أتم حفظ القرآن والتحق بمعهد القراءات. بدأ كقارئ للقرآن ثم اتجه إلى الإنشاد الذي أحبه وورثه عن والده. اشتهر في مجال الإنشاد والتحق بالإذاعة والتلفزيون ولحّن له كبار الملحنين وتعامل مع مؤلفين إذاعيين مرموقين. ترك الشيخ محمد تراثا فنيا ضخما يتجاوز مائتي قصة وحوالي مائة أغنية.
لم يكن الشيخ محمد عبد الهادي مجرد منشد بل فنانًا شاملا تعامل مع قامات فنية من الطراز الرفيع. لحن له كبار الملحنين في مصر منهم: محمد علي سليمان وحلمي أمين والموجي الصغير ومحمود إسماعيل جاد
كما تعاون مع مؤلفين إذاعيين بارزين مثل عزت الجندي وعبد الشكور خطاب مما أثرى مكتبة الإذاعة المصرية بأعمال خالدة. وامتد إبداعه ليشمل تترات المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية، تاركا بصمة مميزة في ذاكرة المستمعين والمشاهدين.

يُعتبر الشيخ محمد عبد الهادي من الفنانين القلائل الذين امتلكوا القدرة على التنقل بين مختلف ألوان الغناء ببراعة. فقد قدم أعمالا متنوعة شملت الأغاني الاجتماعية التي تناولت قضايا المجتمع بأسلوب مؤثر وواقعي.
السيرة النبوية وآل البيت حيث قدم قصصا وأناشيد تناولت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته بأسلوب إيماني عميق.
الملاحم الشعبية التي أحيا بها القصص الشعبية والتراثية حافظا إياها من الاندثار.
ومن أشهر أعماله التي ما زالت عالقة في الأذهان، أغنية “ولدي” التي غناها في فيلم “لا من شاف ولا من دري” للفنان عادل إمام والتي أصبحت أيقونة تعبر عن مشاعر الأبوة.
إن الشيخ محمد عبد الهادي ليس مجرد فنان رحل بل هو إرث ثقافي وفني يروي حكايات الماضي ويستلهم منه فنانو الحاضر والمستقبل.

كيف اكتشفت موهبتك في الانشاد الديني وماهي اللحظة التي قررت فيها أن تحترف هذا المجال ؟
اكتشف الشيخ خالد موهبته في الطفولة حيث كان يغني مع خاله الذي كان يعزف على الكمان. لكن والده أصر على إتمام دراسته قبل احتراف الفن. وبعد التخرج التحق بفرقة الموسيقى العربية بالبحيرة وعندما سمعه والده قرر أن يصحبه في حفلاته ليغني بعض أعماله خلال فترات الاستراحة.
أول إنشاد لي قصة “لقاء الأحباب”
كانت تجربتي الأولى في عالم الإنشاد تجربة فريدة ومميزة خاصة أنها كانت خطوتي الأولى لتقديم شيء خاص بي للجمهور في الواقع لم يكن الأمر سهلا فبالرغم من حبي وشغفي لتقديم الجديد إلا أنني كنت متأثرا جدا بتراث والدي رحمه الله الذي كان مصدر إلهام كبير لي. لم أكن أريد أن أقدم مجرد عمل جديد بل كنت أبحث عن شيء له قيمة ومعنى. هذا ما دفعني إلى التفكير في قصة شعبية كانت الفكرة هي أن أدمج بين تراث الماضي وأسلوب الحاضر لأقدم عملا يلامس قلوب الناس ويذكرهم بأصالة الماضي وروعته.
جاءت فكرة العمل من أخي ناصر الذي كتب قصة شعبية بعنوان “لقاء الأحباب”. كانت القصة مليئة بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية وتتحدث عن الشوق والحنين إلى الماضي والأهل والأحباب. لقد لامست القصة قلبي بشدة وشعرت بأنها هي العمل الذي كنت أبحث عنه.في هذه القصة وجدت نفسي أستعيد ذكريات الماضي وأستشعر حلاوة التراث الأصيل الذي تربيت عليه. كانت قصة “لقاء الأحباب” بمثابة جسر يربط بين الماضي والحاضر وتعبير عن حبي لوالدي وتراثه.

بين الماضي والحاضر
بالرغم من أنني كنت أريد تقديم عمل خاص بي إلا أنني لم أستطع التخلي عن تأثير تراث والدي. بل على العكس وجدت أن هذا التأثير هو الذي جعل العمل أكثر أصالة وجمالا. بعد هذا العمل أدركت أن تراث والدي هو كنز لا يفنى وأن تقديمه هو متعة لا تضاهى. اليوم أجد نفسي أستمتع بتقديم روائع الماضي وأشعر بأنني أحافظ على تراث عائلتي وتراث شعبي.
في النهاية كانت قصة “لقاء الأحباب” هي بداية رحلتي في عالم الإنشاد وهي العمل الذي علمني أن الأصالة هي الأساس وأن التراث هو الكنز الذي لا يقدر بثمن.
من هم ابرز المنشدين الذين تأثرت بهم في بداياتك ؟
تأثر الشيخ خالد في بداياته بوالده الراحل وكذلك بكبار المنشدين مثل النقشبندي وطوبار والفشني، بالإضافة إلى الفنان محمد الكحلاوي والشيخ محمد عمران.

ما هي الرسالة الأساسية التي تسعى لإيصالها من خلال أعمالك؟
يرى الشيخ خالد أن الإنشاد الديني هو أداة فعالة لنشر قيم التسامح والمحبة. فهو يهدف إلى أن يتذوق المستمع حلاوة مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يقتدي بسيرته العطرة. كما يسعى لتقديم مواعظ وحكم عبر أناشيده وقصصه مثل مواويل عن بر الوالدين والصبر والكرم والتي تعكس قيما إنسانية نبيلة. ويؤكد أن هذه الرسالة هي أسمى ما يمكن أن يقدمه الفنان للإنسان.
كيف تختار الكلمات والألحان لأناشيدك؟ وما هي المعايير التي تعتمدها؟
يعتمد الشيخ خالد في اختياره للكلمات والألحان على البساطة بحيث يفهمها العامي والمثقف على حد سواء. وتدور موضوعات أعماله في سياق التضرع إلى الله ومدح الرسول وآل البيت وتقديم المواعظ الاجتماعية الهادفة. كما يحرص على أن يكون النغم والإيقاع فيه شيء من الوقار الذي يتناسب مع هذه الموضوعات.
ماهي أصعب التحديات التي واجهتك في بداية مسيرتك ؟
يصف الشيخ خالد أصعب تحد واجهه في بداية مسيرته بأنه كان كيف يقف مكان والده فارس الإنشاد الديني صاحب التاريخ العريق. عاش فترة صعبة امتدت لعدة سنوات ولكنه بفضل الله وبركة والده استطاع أن يترك أثرا طيبا في نفوس جمهوره.

أقرب الأعمال إلى القلب
يعتبر قصة “مولد النور” التي تحكي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأغنية “ولدي” من أقرب الأعمال إلى قلبه. فقصة “مولد النور” تلامس روحانيات المستمعين بينما أغنية “ولدي” تحمل رسالة إنسانية مؤثرة للجميع.
ما هي النصيحة التي تقدمها للمنشدين الشباب الطامحين في هذا المجال؟
يؤكد الشيخ خالد أن مستقبل الإنشاد الديني مزدهر بفضل انتشاره الواسع وظهور مدارس لتعليم الإنشاد. وينصح المنشدين الشباب بأن العلم هو الطريق المختصر للنجاح في أي مجال. ويدعوهم إلى تعلم فن الإنشاد على أصوله من خلال دراسة طريقة الأداء الصحيحة والإحساس بالكلمات والصدق في الأداء والاستماع الجيد لكبار المشايخ.
هل تفضل الإنشاد المباشر أم التسجيل؟
يفضل الشيخ خالد الإنشاد المباشر أمام الجمهور لأن الصوت يكون أكثر مرونة وحرية مما يتيح له الارتجال. كما أن تشجيع الجمهور يحفز المنشد على تقديم أفضل ما لديه.

كيف توفق بين حياتك الشخصية ومسيرتك كمنشد؟
يؤمن الشيخ خالد بأن الأسرة هي الركيزة الأساسية التي يبنى عليها كل نجاح. في حديثه يؤكد على ضرورة تخصيص معظم وقته لأسرته ومشاركتهم في أدق تفاصيل حياتهم اليومية بدءا من متطلبات المعيشة والدراسة . هذا الالتزام لا يعتبر عائقا أمام مسيرته الفنية بل هو مصدر إلهام وقوة يغذي إبداعه. من خلال تخصيص وقت محدد ومركز لعمله كمنشد ومعلم في الأزهر الشريف يضمن أن كل جانب من جوانب حياته يأخذ حقه دون إهمال الجانب الآخر.
رؤيتك لمستقبل الإنشاد الديني
يشهد الإنشاد الديني في الآونة الأخيرة طفرة كبيرة وانتشارا واسعا وهو ما يراه الشيخ خالد مؤشرا إيجابيا لمستقبل هذا الفن العريق. يرى أن ازدهاره لم يعد محصورا في محافل معينة، بل امتد ليصبح فنا جماهيريا بفضل عوامل متعددة. وقد أشار إلى دور المدارس المتخصصة في تعليم الإنشاد التي افتُتحت في القاهرة ومختلف المحافظات والتي تساهم في صقل المواهب وتخريج أجيال جديدة من المنشدين.
كما أشاد بالدور المحوري لوسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت بشكل كبير في وصول هذا الفن إلى قطاعات أوسع من الجمهور مما كسر الحواجز التقليدية بين الفنان وجمهوره. وفي هذا السياق خص بالذكر تجربة المنشد أسامة علام وفرقة “راحة الأرواح” بالبحيرة، معتبرا أصواتهم ذهبية ومعبرا عن أمله في أن تصل هذه الفرقة إلى العالمية بفضل قيادة الأستاذ أسامة علام الذي أحدث طفرة في هذا المجال.
أعمال فنية جديدة
وعن أعماله الفنية الجديدة يكشف الشيخ خالد عن مشروع فني فريد من نوعه وهو إحياء تراث والده الشيخ محمد عبد الهادي رحمه الله. يرى أن تراث والده “كبير ومزدحم بالجواهر الثمينة” وهو ما يمثل له كنزا فنيا غنيا بالقصص الملحمية والأناشيد الدينية التي تُسعد كل محب للفن الأصيل. هذا المشروع لا يقتصر على كونه إحياء لذكرى فنيه بل هو استكمال لمسيرة فنية عائلية عريقة وتقديم فن يحمل في طياته الأصالة والعمق.

في الختام يظهر لنا الشيخ خالد عبد الهادي أن النجاح الحقيقي في مسيرة الفنان لا يقتصر على الشهرة والإبداع الفني فحسب بل يمتد ليشمل القدرة على تحقيق التوازن بين كل جوانب الحياة. إن إيمانه بأن الأسرة هي الأساس وتفاؤله بمستقبل الإنشاد الديني وعمله على إحياء تراث والده كلها عوامل تجعل منه نموذجا فريدا لمنشد يجمع بين الالتزام الفني والمسؤولية الإنسانية.
وفي ختام حواره وجه الشيخ خالد شكره الجزيل إلى نبض الشارع البحراوي وإلى الإعلامي والصحفي المميز محمد رضوان مثمنا جهوده في انتقاء الأسئلة الموضوعية والهادفة التي تُسعد محبي فن الشيخ محمد عبد الهادي و الشيخ خالد عبد الهادي.
إن هذا التقدير يعكس الوعي بأهمية الشراكة بين الفنان والإعلام في إيصال الرسالة الفنية بشكل صحيح وهو ما يجعل من هذا الحوار تجربة متكاملة ومؤثرة.
